أبي طالب المكي
140
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
فرحا مني به ، فأثابني الله تعالى بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة اثنين لذلك . وقال الله تعالى في تحقيق المحبة : * ( يُحِبُّونَ من هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) * [ الحشر : 9 ] . ثم قال تعالى : * ( ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) * [ الحشر : 9 ] . فمن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إيثار سننه على الرأي والمعقول ، ونصرته بالمال والنفس والقول ، وعلامة محبته اتباعه ظاهرا وباطنا . فمن اتباع ظاهره : أداء الفرائض واجتناب المحارم والتخلق بأخلاقه والتأدب بشمائله وآدابه ، والاقتفاء لآثاره والتجسس عن أخباره ، والزهد في الدنيا والإعراض عن أبنائها ومجانبة أهل الغفلة والهوى ، والترك للتكاثر والتفاخر من الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة ، والتقرب من أهلها والحب للفقراء ، والتحبب إليهم ، وتقريبهم وكثرة مجالستهم ، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا ، ثم الحب في الله للبعيد المبغض ، وهم العلماء والعباد والزهاد ، والبغض في الله للقريب المحب ، وهم الظلمة المبتدعة والفسقة المعلنة ، ومن اتباع حاله في الباطن مقامات اليقين ، ومشاهدات علوم الإيمان ، مثل الخوف والرضا والشكر والحياء ، والتسليم والتوكل والشوق والمحبة ، وإفراغ القلب لله وإفرادا لهم باللَّه ، ووجود الطمأنينة بذكر الله . فهذه معاملات الخصوص وبعض معاني بباطن الرسول ، وهو من أتباعه ظاهرا وباطنا ، فمن تحقق بذلك فله من الآية نصيب موفور أعني قوله تعالى : * ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ) * [ آل عمران : 31 ] . وقد كان سهل يقول : علامة المحبة ، اتباع الرسول ، وعلامة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا . وقال أيضا في تفسير قوله : * ( ومن يُطِعِ الله والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ ) * [ النساء : 69 ] . قال : يطع الله في فرائضه ، والرسول في الدخول في سننه . فإذا اجتنب العبد البدع ، وتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فقد اتبعه وقد أحب الله تعالى ، وكان معه صلى الله عليه وسلم غدا موافقا في منزلته . ذكر فضائل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين قال الله تعالى : * ( شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) * [ آل عمران : 18 ] . وقال سبحانه وتعالى : * ( والَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ) * [ المعارج : 33 ] . فشهادة الموقن بيقينه أنّ الله تعالى هو الأوّل في كل شيء ، وأقرب من كل شيء ، وهو المعطي المانع الهادي المضل ، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع إلا الله . كما لا إله إلا الله ، وقرب الله منه ونظره إليه وقدرته عليه وحيطته به ، فيسبق نظره وهمه إلى الله عزّ وجلّ قبل كل شيء ، ويذكره في كل شيء ويخلو قلبه من كل شيء ، ويرجع إليه في كل شيء ، ويتأله إليه دون كل شيء ، ويعلم أنّ الله عزّ وجلّ أقرب إلى القلب من وريده ، وأقرب إلى الروح من حياته ، وأقرب إلى البصر من نظره ، وأقرب إلى اللسان من ريقه . بقرب هو